أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
42
شرح مقامات الحريري
وبدا لينظر كيف لاح فلم يطق * نظرا إليه وصدّه أشجانه فالنّار ما اشتملت عليه ضلوعه * والماء ما سمحت به أجفانه قال : فأحسنت ما شاءت ، وطرب تميم ومن حضر ، ثم غنّت : سيسليك عمّا فات دولة مفضل * أوائله محمودة وأواخره ثني اللّه عطفيه ، وألّف شخصه * على البرّ مذ شدّت عليه مآزره فطرب تميم ومن حضر طربا شديدا ، ثم غنّت : [ البسيط ] أستودع اللّه في بغداد لي قمرا * بالكرخ من فلك الأزرار مطلعه فأفرط تميم في الطرب جدّا . ثم قال لها : تمنّي ما شئت ، فلك مناك ، فقالت : أتمنّى عافية الأمير وسعادته ، فقال : لا بدّ واللّه ، فقالت : على الوفاء أتمنّى أيها الأمير ، فقال : نعم فقالت : أتمنّى أن أغنّي هذه النوبة ببغداد . فتغيّر وجه تميم ، وتكدّر المجلس ، وقمنا . فلحقني بعض خدمه ، فردّني . فلمّا وقفت بين يديه ، قال لي : ويحك ! أرأيت ما امتحنّا به ، ولا بدّ من الوفاء : وما أثق في هذا بغيرك ، فتأهب لتحملها إلى بغداد ، فإذا غنّت هناك ، فاصرفها ، فقلت : سمعا وطاعة ، فأصحبها جارية سوداء تخدمها وتعاد لها ، وأمر لي بناقة وبجمل عليه هودج ، فأدخلت فيه ، وسرنا مع القافلة إلى مكة ، فقضينا حجّنا . ثم لما وردنا القادسية ، أتتني السّوداء ، فقالت لي : تقول لك سيدتي : أين نحن ؟ فقلت : نحن نزول بالقادسيّة ، فأخبرتها ، فسمعت صوتها قد ارتفع بالغناء : [ مجزوء الكامل ] لمّا نزلنا القادسيّ * ة حيث مجتمع الرّفاق وشممت من أرض الحجا * ز نسيم أنفاس العراق أيقنت لي ولمن أح * بّ بجمع شمل واتّفاق وضحكت من فرح اللّقا * ء كما بكيت من الفراق فصاح الناس من أقطار الغافلة : أعيدي أعيدي ، باللّه ! فما سمع لها كلمة . فلما نزلنا الياسريّة على خمسة أميال من بغداد في بساتين متّصلة يبيت الناس بها ، ثم يبكّرون ببغداد . فلمّا قرب الصباح إذا بالسوداء قد أتتني مذعورة ، فقالت : إن سيدتي ليست بحاضرة ، وو اللّه لا أدري أين هي ؟ فطلبتها فلم أجدها ، ولا وجدت لها ببغداد خبرا ، فقضيت حوائجي ببغداد وانصرفت إلى تميم ، فأخبرته خبرها ، فلم يزل واجما عليها . وأخبار القيان كثيرة فلنقتصر على هذا القدر . * * *